Alnaya In Media

Image event

Alnaya In Media

تحقيق : زكية كردي

عندما تصبح أنت الطالب والمعلم في الوقت نفسه، فهذا يعني أنك تتبع ما يعرف بنظام «التعليم الذاتي»، وهو النظام الذي اعتمده قديماً العباقرة والعلماء في مختلف مجالات العلوم، فكانت ثمار جهودهم شاهداً حياً على تميزه وجدواه. نظام باتت تعتمده اليوم الدول المتقدمة ضمن مناهجها التعليمية، واختاره الكثيرون في مجتمعاتنا لأسباب مختلفة، فمنهم من اختاره لأنه وفر عليه عناء البحث عن مدرسين خصوصين لأبنائه، كما جعل من التعليم وسيلة لاستمتاع هؤلاء الأبناء، ومهمة يعتمدون فيها على أنفسهم. ومنهم من اختاره لتعويض فرصة لاستكمال دراسته، حرمته إياه بعض الظروف، وآخرون يختارونه لأنه وحده الذي يلبي شغفهم ويوافق ميولهم، في البحث والتخصص في مجال ما. عن هذا النظام وأسباب تفضيله واختياره من قبل الكثيرين، يدور هذا التحقيق.

استعان صابر حماد «مستشار قانوني في الدفاع المدني»، ببرامج تعليم إلكترونية للغة الإنكليزية والرياضيات، ويصف تجربته معها بأنها رائعة، فأهم ميزة فيها اعتياد الطفل الاعتماد على الذات في سن مبكرة، مع إمكانية الرجوع له عندما يستعصي عليه أمر ما، ويقول: الذي أعجبني في هذه التجربة أن الأولاد أصبحوا يستمتعون بالتعليم، ويعتمدون على أنفسهم، حتى انعكس هذا على طريقتهم في التعامل مع باقي المواد، فصاروا يشعرون بالثقة، وبقدرتهم على التعامل مع واجباتهم لوحدهم، بل يحضرون للدروس التي سوف يتلقونها لاحقاً، ويضيف: إن هذه البرامج جعلته يرتاح من البحث عن المدرسين الخصوصيين الجيدين كل مرة، فالمسؤول عن متابعة البرنامج من قبل الشركة يقوم بزيارة دورية للمتابعة مع الأبناء كل شهر تقريباً، ليقيّم مستواهم، ويعلمهم المزيد منه.

ربما الكثير من الناس تمنعهم ظروف بعد الجامعة التي يرغبون بالدراسة فيها من اختيار التخصص الذي يحلمون به، لكن مع ظهور ميزة التعلم عن بعد، استطاعت براءة حسن «ربة منزل»، أن تحقق حلمها بدراسة الشريعة الإسلامية عن بعد، وتقول: درست في معهد فني لعامين وأتيت إلى الإمارات بعد التخرج، لكن ليس هذا ما كنت أرغب به، كنت شغوفة بالاطلاع على الدين الصحيح، وأجد متعة كبيرة في تدريسه، لهذا تواصلت مع جامعة خاصة، وبدأت أدرس المناهج وحدي، وأخضع للاختبارات، حتى قدمت امتحاني الأخير قبل شهرين تقريباً، وتؤكد أن العلم وجد ليسهل حياتنا، ويجعلنا أقرب من أحلامنا، وعن تجربة التعلم الذاتي، تقول: أفضل ما في الأمر أن هناك مرونة في الوقت، فيمكنني أن أدرس وقتما شئت، بدون أن أكون مضطرة للالتزام بدوام يقيدني، ويخلق لي بعض الصعوبات في حياتي.ولعلّ برامج التعلم الذاتي ليست حكراً على المواد الدراسية وحسب، فهناك الكثيرون الذين استطاعوا أن يغنوا ميلهم لتخصص معين، ويحولوا هذا الميل إلى مهنة، أو مهارة متطورة كما فعل طارق الأطرش، فقد كان لديه شغف بتصليح الأجهزة المحمولة، وبدأ بالبحث عن الأعطال البسيطة، ثم تطور بالتدريج، ليتبع دورة كاملة عبر الإنترنت، مكنته بالفعل من العمل في مجال تصليح أجهزة الموبايل.

اختيار المستويات

يبدو أن أهم ميزة في برامج التعليم الذاتي، التي يستعين بها الأهل لمساعدة أبنائهم ميزة التقييم الذاتي، حسب سندية سعيد الضنحاني «معلمة رياضيات سابقة»، بالإضافة إلى البرامج الممتعة التي تنمي ذكاء الطالب وقدراته، وتقول: ما يميز برامج التعليم الذاتي، أنها تتيح لهم اختيار المستويات التي يدرسونها، وتعطيهم نتائج الاختبار مباشرة، ليقيموا أنفسهم في الحال، ولديهم أيضاً القدرة على إعادة الاختبار، للحصول على نتائج أفضل، وهذا يخلق حافزاً جيداً لهم لتحسين مستواهم، بالإضافة إلى القدرة على الانتقال إلى مراحل متقدمة في التعليم، فليسوا مقيدين بمنهج معين كما هو الحال في التعليم التقليدي، حيث يستمرون بدورة واحدة فقط، وتؤكد أن هذه البرامج انعكست على أدائهم في دراستهم، خاصة أنها تتيح لهم المرونة في الوقت، والحافز للتميز بين الأخوة، كونهم أصبحوا يستمتعون بالدراسة لسرعة الإنجاز والتعلم.

يمكن الحصول على برامج التعلم الذاتي في مختلف المجالات عبر شبكة الإنترنت، لكن عبدالفتاح عبدالمجيد عمران «رسام معماري في سلطة دبي للمجمعات الإبداعية»، اختار التعامل مع شركة متخصصة في مثل هذه البرامج لكونها أكثر مصداقية، وفائدة للأبناء، فلابد من وجود أحد يتابعهم ويرشدهم أثناء رحلة تنمية مهاراتهم، في مثل هذه البرامج، فيرجعون إلى المسؤول عن التدريب، في حال كان لديهم أي تساؤل يتواصلون معه، عبر الهاتف، وهذا يعودهم الاعتماد على أنفسهم في حال واجهتهم أي مشاكل، بالإضافة إلى الوجبة التعليمية التي يقيمها المدربون لهم كل مدة، ويقول: لم يعد أبنائي بحاجة لي، فيما يخص التعليم، فهم يحمّلون المواد التي يحتاجونها بأنفسهم، ويحددون المستويات التي سوف ينتقلون إليها، حتى زوجتي ارتاحت من موضوع التدريس وملاحقتهم، ليتموا واجباتهم، فهم الآن أكثر خبرة كون أدوات التعليم حديثة ومتطورة وتناسب ميولهم، وعن حلول هذه البرامج مكان المدرس الخصوصي، يوضح أن هذا الجزء هو الأكثر راحة، فزيارة المدرس تحدد عادة في الوقت الذي يلائمه هو، وهذا قد يتعارض مع رغبات أهل البيت، بالإضافة إلى التوفير المادي إذا ما قارنا بينهما.

خطط شهرية

يدير سيمون أحجير «المدير التنفيذي لشركة سولاريب»، شركة متخصصة ببرامج تعليم الرياضيات واللغة الانجليزية في المنزل، ويقدم برنامجه، خططاً شهرية لرفع مستوى المتعلم، تواكب مناهجها كل مناهج العالم، وتقدم الطعم للطلبة أثناء الدراسة، عبر شبكة الإنترنت، وعن هذا البرنامج يقول: هو عبارة عن برنامج يتم تحميله على كمبيوتر الطالب، مع الخطط والتقارير، وهو معروف عالمياً «كامي»، وتعتمد فكرة البرنامج على جعل التعليم متعة، بعيداً عن الملل، وقد ركزنا على المواد الدراسية التي ينفر منها غالبية الطلبة، والأهل أيضاً، لصعوبتها، والأهم أن هذه البرامج لا تتعلق بالأشخاص الموهوبين فقط، سواء بالرياضيات أو اللغة، بل تهتم برفع مستوى الإنسان العادي، ليصبح مبدعاً ومتفوقاً في المادة موضوع الدراسة، ويضيف بأنها تتيح للطالب الوصول إلى مستويات متقدمة دون التقيد بعمر معين، كما هو معتاد في المدارس التقليدية، كما أن الغاية الأساسية منها زرع ميزة الاعتماد على النفس لديه، بالإضافة إلى كونها تغني عن المدرس الخصوصي، ويشير إلى أن النوع من البرامج، أصبح يطبق ويلقى إقبالاً كبيراً في المجتمعات المتقدمة، ولا يمكن أن نغفل اليوم أن المستقبل يلزمنا بمواكبة التطور والانفتاح على هذه الوسائل المتطورة.

د. أحمد العموش: الطفل أو الشاب موجه نفسه

بدأت ظاهرة التعلم الذاتي تنتشر وتأخذ أبعاداً كثيرة مع وجود المجتمعات الحديثة والمتقدمة، حسب د. أحمد العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة، ويوضح أن التعلم الذاتي يبدأ في سن مبكرة في المراحل الأولى من حياة الطفل، مع الألعاب التي تطور مهاراته، ومع القصص المصورة التي ينمو خياله معها، وتستمر هذه العملية بالنمو أثناء المدرسة، حيث يعطى الطفل أشياء ليقرأها ويحللها بنفسه، فينتقد ويحلل الأفكار بنفسه، ويختلف هذا النوع من التعلم عن التعلم التقليدي، بضرورة وجود الموجه، ففي التعليم الذاتي يكون الطفل أو الشاب هو موجه نفسه، وهذا ما يجعل الأمر أكثر متعة بالنسبة له، فلا حدود يقف عندها، أي أنه يتمتع بمرونة الوقت، والمعلومات التي يريد اكتسابها، والكم أيضاً، ويقول: الإنسان يركز عادة على اهتماماته وميوله الذاتية في هذه العملية، ولهذا يعتبر التعلم الذاتي من أفضل الوسائل لبناء وصقل شخصية الشاب، وحقيقة المنافسة موجودة بين وسيلتي التعلم القديمة والحديثة، ففي المجتمعات الأكثر تقدماً، بدأ يحل نمط التعلم هذا، مكان التقليدي، ويشير أخيراً إلى أن الإعلام يلعب دوراً هاماً في التعريف بأساليب ومهارات التعلم الذاتي، وتسليط الضوء على إيجابيات هذا النمط التعليمي الذي يوجز مدى تطور قدرات الجنس البشري.

See More at: http://www.alkhaleej.ae/